الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
425
المنقذ من التقليد
مسخفا من الصغائر ، يجري مجرى ما يفعله الإنسان سهوا ، كالزلّة اليسيرة التي لا ينجو منها المتحفّظ ، حتّى قيل فيها : وأيّ جواد لا يكبو ، ولكلّ جواد كبوة ولكلّ صارم نبوة فأمّا المسخف فانّه يوجب خفّة منزلة فاعلها عند الناس ، فلا يجوز على النبيّ . وبخلاف من فرّق بين حال النبوّة وقبل النبوّة من الحشوية من أصحابنا . وبخلاف من أجاز عليهم الكبائر في حال النبوّة إلّا الكذب فيما يؤدّونه . وكذا نجب عصمته من الإخلال بالواجبات عليه . والذي يدلّ على صحّة ما ذكرناه وذهبنا إليه أنّ القبيح لا يخلو من أن يكون كذبا أو غير كذب ، والكذب لا يخلو من أن يكون فيما يؤدّيه عن اللّه تعالى أو في غيره . أمّا الكذب فيما يؤديه عن اللّه . فلا يجوز عليه ، لأنّ العلم المعجز يمنع من ذلك من حيث أنّه إذا أدّى الرسالة عن اللّه تعالى وصدّقه تعالى بالعلم المعجز الذي أظهره عليه ، فكانّه صدّقه بالقول وقال له : صدقت فيما قلت وأدّيت . فلو لم يكن صادقا لكان ذلك قبيحا ، لأنّ تصديق الكذّاب قبيح لا يجوز عليه تعالى . فأمّا الكذب فيما لا يؤدّيه عنه تعالى ، وجميع القبائح الأخر ، وكذا الإخلال بالواجبات ، فإنما ننزّهه عنها ، لأنّ تجويز ذلك ينفّر عن قبول قوله . ولا يحسن أن يبعث اللّه نبيّا إلى الخلق ويوجب عليهم اتّباعه وطاعته وهو على صفة تنفّر عنه ؛ ولوجوب تنزيه النبيّ وتجنيبه عمّا ينفّر عنه ما جنّب اللّه تعالى أنبياءه الخلق المشينة والأمراض المنفّرة والفظاظة والغلظة لمّا كان ذلك منفّرا في العادة . وعلى هذا قال جلّ وعلا لنبيّنا محمّد عليه السلام : « وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » « 1 » .
--> ( 1 ) آل عمران : 159 .